محمد بن جرير الطبري

136

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

واعتبروا صحة ذلك بقوله : وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ وأن الفصل بين المختلفين إنما يكون بالقضاء لا بالقصص . وهذه القراءة عندنا أولى القراءتين بالصواب لما ذكرنا لأهلها من العلة . فمعنى الكلام إذن : ما الحكم فيما تستعجلون به أيها المشركون من عذاب الله وفيما بيني وبينكم ، إلا الله الذي لا يجور في حكمه ، وبيده الخلق والأمر ، يقضي الحق بيني وبينكم ، وهو خير الفاصلين بيننا بقضائه وحكمه . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم الآلهة والأوثان المكذبيك فيما جئتهم به ، السائليك أن تأتيهم بآية استعجالا منهم بالعذاب : لو أن بيدي ما تستعجلون به من العذاب لقضي الأمر بيني وبينكم ففصل ذلك أسرع الفصل بتعجيلي لكم ما تسألوني من ذلك وتستعجلونه ، ولكن ذلك بيد الله الذي هو أعلم بوقت إرساله على الظالمين الذين يضعون عبادتهم التي لا تنبغي أن تكون إلا لله في غير موضعها فيعبدون من دونه الآلهة والأصنام ، وهو أعلم بوقت الانتقام منهم وحال القضاء بيني وبينهم . وقد قيل : معنى قوله : لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ الذبح للموت . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو خالد الأحمر ، عن ابن جريج ، قال : بلغني في قوله : لَقُضِيَ الْأَمْرُ قال : ذبح الموت . وأحسب أن قائل هذا النوع الذبح للموت نزع لقوله : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ فإنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك قصة تدل على معنى ما قاله هذا القائل في قضاء الأمر ، وليس قوله : لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ من ذلك في شيء ، وإنما هذا أمر من الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقول لمن استعجله فصل القضاء بينه وبينهم من قوله بآية يأتيهم بها : لو أن العذاب والآيات بيدي وعندي لعاجلتكم بالذي تسألوني من ذلك ، ولكنه بيد من هو أعلم بما يصلح خلقه مني ومن جميع خلقه . القول في تأويل قوله تعالى : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يقول : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ والمفاتح : جمع مفتح ، يقال فيه : مفتح ومفتاح ، فمن قال مفتح جمعه مفاتح ، ومن قال مفتاح جمعه مفاتيح . ويعني بقوله : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ خزائن الغيب ، كالذي : حدثني محمد بن الحسين ، فال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ قال : يقول : خزائن الغيب . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن مسعر ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة ، عن ابن مسعود ، قال : أعطي نبيكم كل شيء إلا مفاتح الغيب . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ قال : هن خمس : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ إلى : إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ . فتأويل الكلام إذن : والله أعلم بالظالمين من خلقه وما هم مستحقوه وما هو بهم صانع ، فإن عنده علم ما غاب علمه عن خلقه ، فلم يطلعوا عليه ولم يدركوه ولم يعلموه ولن يدركوه . وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يقول : وعنده علم ما لم يغب أيضا عنكم ، لأن ما في البر والبحر مما هو ظاهر للعين يعلمه العباد . فكان معنى الكلام : وعند الله علم ما غاب عنكم أيها الناس مما لا تعلمونه ولن تعلموه مما استأثر بعلمه نفسه ، ويعلم أيضا مع ذلك جميع ما يعلمه جميعكم ، لا يخفى